أبي بكر جابر الجزائري

169

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

ومظهر ثان هو في قوله : وَالْأَرْضَ « 1 » فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ والأرض فرشها بساطا ومهدها مهادا فنعم الماهدون نحن نعم الماهد اللّه تعالى لها إذ غيره لا يقدر على ذلك ولا يتأتى له ، وثالث مظاهر القدرة في قوله : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ « 2 » خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فهذا لفظ عام يعم سائر المخلوقات وأنها كلها أزواج وليس فيها فرد قط . والذوات كالصفات فالسماء يقابلها الأرض ، والحر يقابله البرد ، والذكر يقابله الأنثى ، والبر يقابله البحر ، والخير يقابله الشر ، والمعروف يقابله المنكر ، فهي أزواج بمعنى أصناف كما أن سائر الحيوانات هي أزواج من ذكر وأنثى . وقوله لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي خلقنا من كل شيء زوجين رجاء أن تذكروا فتعلموا أن خالق هذه الأزواج هو اللّه الفرد الصمد الواحد الأحد لا إله غيره ولا رب سواه فتعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه من سائر خلقه . وقوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى « 3 » اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي بعد أن تبين لكم أيها الناس أنه لا إله غير اللّه ففروا إليه تعالى أي بالإيمان به وبطاعته وبفعل فرائضه وترك نواهيه اهربوا إلى اللّه يا عباد اللّه بالإسلام إليه والانقياد لطاعته إني لكم منه تعالى نذير من عقاب شديد ، ونذارتي بينة لا شك فيها وأنصح لكم أن لا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي معبودا غيره تعالى تعبدونه إن الشرك به يحبط أعمالكم ويحرم عليكم الجنة فلا تدخلوها أبدا واعلموا إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ عزّ وجل نَذِيرٌ مُبِينٌ . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - تقرير التوحيد والبعث بمظاهر القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء ومظاهر العلم والحكمة المتجلية في كل شيء . 2 - ظاهرة الزوجية في الكون في الذرة انبهر لها العقل الإنساني وهي مما سبق إليه القرآن الكريم وقرره في غير موضع منه : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن

--> ( 1 ) نصب الأرض على الاشتغال ، والفرش : البسط يقال : فرش البساط : إذا نشره وقوله : فَنِعْمَ الْماهِدُونَ أثنى تعالى على نفسه بهذه المنة على خلقه وهي : بسط الأرض وتمهيدها للحياة عليها وفي هذا تعليم للعباد أن يحمدوا اللّه ويشكروه : فله الحمد تعالى وله المنة . ( 2 ) في خلق اللّه تعالى للذكر والأنثى والتناسل منهما دليل ظاهر على البعث الذي ينكره الكافرون فمن فكر في إيجاد الحياة من جماد كالنطفة سهل عليه الإيمان بالحياة الثانية بعد انتهاء هذه ولذا عقب على ذلك بجملة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وهي جملة تعليلية . ( 3 ) الفاء للتفريع إنه بعد أن بيّن للمشركين ضلالهم وخطأهم في الشرك والكفر وإنكار البعث بما ساق من الأدلة وأبرز عن البراهين القطعية قال لرسوله : قل لهم أيها الناس ففروا إلى اللّه أي : اهربوا إليه لينجيكم من الخسران فإنه ليس لكم إلا هو فآمنوا به واعبدوه ووحدوه وعلل ذلك بقوله لهم إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ .